المساعدة القضائية… حين يتحول الحق إلى إجراء شكلي
بقلم: عمار دحمد
لا يختلف اثنان على أن المساعدة القضائية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ضمانة أساسية من ضمانات العدالة. فجوهرها يقوم على تمكين كل متقاضٍ بغض النظر عن وضعه المادي من حق الدفاع أمام القضاء، حتى لا يتحول الفقر إلى عائق يحرم الإنسان من حماية القانون.
وقد كرس المشرّع الموريتاني هذا المبدأ من خلال القانون رقم 051/2015 المتعلق بالمساعدة القضائية، الذي جاء ليعزز مبدأ المساواة في الولوج إلى العدالة، ويُمكّن الفئات المعوزة من الاستفادة من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك تعيين محامٍ للدفاع عنها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل تحقق المساعدة القضائية هذا الهدف في الواقع العملي؟
الممارسة اليومية داخل بعض المحاكم تطرح إشكالًا حقيقيًا. فكثيرًا ما يُسلَّم ملف القضية للمحامي المعيَّن في إطار المساعدة القضائية قبل ساعات قليلة من الجلسة، وأحيانًا لا يطلع عليه إلا داخل قاعة المحكمة، والمتهم واقف أمام القاضي يخضع للاستنطاق. وفي مثل هذا الوضع يصبح الدفاع أشبه بسباق مع الزمن، حيث يُطلب من المحامي أن يبني مرافعة، ويحلل الوقائع، ويقيّم الأدلة، ويتواصل مع موكله كل ذلك في لحظات معدودة.
لكن الدفاع ليس إجراءً شكليًا، ولا مجرد اسم يدوَّن في محضر الجلسة. الدفاع الحقيقي عمل قانوني وفكري يتطلب وقتًا للاطلاع على الملف، ودراسة الأدلة، ومناقشة المتهم، وبناء استراتيجية دفاعية متماسكة. وعندما يُحرم المحامي من هذا الوقت، فإن ما يتحقق في الواقع ليس دفاعًا حقيقيًا، بل مجرد حضور شكلي لحق أُفرغ من مضمونه.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسة قد تخلق وهمًا بالعدالة. فالمتهم يبدو وكأنه مُنح حقه في الدفاع، بينما الحقيقة أن هذا الحق لم يُمكَّن من شروطه الأساسية. وهنا تكمن المفارقة: وسيلة وُجدت لحماية المتهم قد تتحول بسبب ضعف التنظيم أو سوء التطبيق إلى عامل يضعف موقفه بدل أن يعززه.
فالعدالة لا تُقاس بعدد المحامين المعيَّنين، بل بمدى قدرتهم الفعلية على أداء دورهم. كما أن المحاكمة العادلة لا تتحقق بمجرد استيفاء الشكليات، بل بضمان تكافؤ حقيقي في الفرص بين أطراف الدعوى. فكيف يمكن أن نطالب بدفاع قوي، ونحن لا نوفر له الحد الأدنى من شروط التحضير؟
إن إصلاح منظومة المساعدة القضائية أصبح ضرورة ملحة. ويتطلب ذلك تمكين المحامي من الاطلاع المسبق والكافي على الملف، وضمان حقه في لقاء موكله قبل الجلسة، ووضع آليات تنظيمية واضحة تضمن احترام هذه الضمانات. كما ينبغي التعامل مع المساعدة القضائية باعتبارها استثمارًا في العدالة، لا عبئًا إداريًا ينبغي التخلص منه بسرعة.
فالدفاع القوي ليس امتيازًا لفئة دون أخرى، بل حق أصيل وركيزة من ركائز دولة القانون. وأي إخلال به — مهما بدا بسيطًا — ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع في القضاء، ويضعف الإيمان بأن العدالة تُطبق على الجميع بالمعيار نفسه.
وحين تتحول المساعدة القضائية إلى إجراء شكلي، فإننا لا نخسر قضية واحدة فحسب، بل نخسر جزءًا من معنى العدالة ذاته.



0 Comments: