أخر الأخبار
جاري التحميل...
بين وهم الازدهار وواقع التقشف… إلى أين يتجه مسار الغاز في بلدنا؟

بين وهم الازدهار وواقع التقشف… إلى أين يتجه مسار الغاز في بلدنا؟

 بين وهم الازدهار وواقع التقشف… إلى أين يتجه مسار الغاز في بلدنا؟



في لحظة كان يُفترض أن تكون بداية التحول الاقتصادي، يجد المواطن نفسه أمام خطاب مغاير تمامًا لما تم الترويج له سابقًا. فبعد سنوات من التبشير بثروة الغاز ووعود “عهد النماء والأزهار”، تُفاجئنا التصريحات الرسمية اليوم بدعوات إلى التقشف والتحذير من “خطر محدق”. هذه المفارقة لا تثير التساؤل فقط، بل تطرح إشكالًا عميقًا حول مصداقية الرؤية الاقتصادية، وحول موقع المواطن في معادلة الثروة الوطنية.


أول ما يلفت الانتباه هو التناقض الصارخ بين خطابين: خطاب التفاؤل المفرط الذي صوّر الغاز كحل سحري لكل الأزمات، وخطاب التخويف الحالي الذي يطالب الناس بشد الأحزمة. هذا التحول السريع يعكس غياب رؤية استراتيجية متماسكة، ويؤكد أن إدارة الملف لم تُبنَ على أسس تخطيط بعيد المدى.

في المقابل، تقدم التجربة السنغالية نموذجًا مختلفًا في التعاطي مع نفس المورد. فبدل الاكتفاء بالتصدير، تتجه نحو بناء سياسات تعزز الاستفادة المحلية، وتضع أهدافًا واضحة للاكتفاء الذاتي في أفق زمني محدد. هنا يظهر الفارق الحقيقي: ليس في امتلاك المورد، بل في كيفية استثماره.

أما داخليًا، فإن الإشكال يتجاوز السياسات إلى بنية الاقتصاد نفسها. إذ لا يزال السوق خاضعًا لتأثير فاعلين كبار تغلب لديهم اعتبارات الربح السريع على حساب المصلحة العامة. وفي ظل غياب رقابة فعالة وتوجيه اقتصادي واضح، يصبح المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن اختلالات لا يد له فيها.

وكان الأجدر، في ظل هذه المعطيات، أن تتجه الجهود نحو إنشاء بنية تحتية للتكرير المحلي، وتأمين الحاجات الأساسية قبل التفكير في التصدير، إلى جانب إطلاق مشروع وطني واضح المعالم لتحقيق الاكتفاء الذاتي. فهذه ليست رفاهية اقتصادية، بل ضرورة سيادية تضمن استقرار السوق وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.


إن الثروات الطبيعية، مهما بلغت قيمتها، لا تتحول إلى تنمية حقيقية دون إدارة رشيدة، ورؤية واضحة، وعدالة في التوزيع. وما نعيشه اليوم من تناقض بين الوعود والواقع يجب أن يكون دافعًا لإعادة تقييم المسار، وتصحيح الاختلالات قبل فوات الأوان. فإما أن يكون الغاز رافعة لبناء اقتصاد وطني قوي، أو يتحول إلى فرصة ضائعة تُضاف إلى سجل الإخفاقات.

الكاتب الاعلامى: سيد أحمد سيدى الكرومى

0 Comments:

Untitled-1
20250514-125404
Ads-Nemine