أخر الأخبار
جاري التحميل...
فضيحة إعلامية: حين تُصنع الأكاذيب وتُقدَّم كحقائق

فضيحة إعلامية: حين تُصنع الأكاذيب وتُقدَّم كحقائق

 فضيحة إعلامية: حين تُصنع الأكاذيب وتُقدَّم كحقائق




في خضم بيئة إقليمية معقدة تتطلب أعلى درجات المسؤولية والاتزان، يطفو على السطح بين الفينة والأخرى خطاب إعلامي يفتقر إلى الحد الأدنى من المهنية، ويجنح نحو التهويل وتضليل الرأي العام. وما تم تداوله مؤخرًا بشأن مزاعم ضبط شاحنات قادمة من موريتانيا، ليس سوى نموذج جديد لخبر يفتقر للسند الواقعي، لكنه يكشف في المقابل خللًا أعمق في طريقة التعاطي الإعلامي مع القضايا الحساسة.

غير أن مقاربة هذا الحدث لا تكتمل دون وضعه في سياق العلاقة المعقدة بين موريتانيا ومالي، وهي علاقة يحكمها الجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي والتحديات الأمنية المشتركة. فمالي، التي تواجه منذ سنوات وضعًا أمنيًا هشًا وتحديات داخلية متشابكة، تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام ضغوط داخلية وخارجية تدفع بعض الفاعلين إلى تصدير الأزمات أو البحث عن روايات بديلة لتفسير الإخفاقات. وهنا، يصبح الخطاب الإعلامي—سواء الرسمي أو الموازي—أداة لتوجيه الرأي العام، بدل أن يكون وسيلة لنقل الحقيقة.

أولًا، لا يمكن فصل هذا الخبر عن سياق أوسع من البيانات والتصريحات التي درجت الجارة الجنوبية الشرقية على إصدارها، والتي غالبًا ما تفتقر إلى المنطق والقرائن الموثوقة، ما يجعلها قابلة للدحض بأبسط قراءة تحليلية. لكن الأخطر من ذلك هو قابلية بعض المنصات الإعلامية لتلقف هذه الروايات وتقديمها للرأي العام في قالب يوحي بالمصداقية، دون التحقق من مصادرها أو اختبار معقوليتها.

ثانيًا، ما قامت به بعض المنصات الإعلامية، وعلى رأسها “الصحراء 24” و“صحراء ميديا”، يمثل انزلاقًا مهنيًا واضحًا، حيث تم تقديم الخبر بصيغة توحي بالثبوت والاعتماد الرسمي، دون تحقق أو توازن أو حتى إشارة إلى طبيعته الادعائية. وهذا السلوك لا يعكس فقط خللًا في المعايير المهنية، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بأخلاقيات المهنة، حيث تُقدَّم الإثارة على حساب الدقة، والعنوان على حساب الحقيقة.

ثالثًا، إن خطورة هذا النهج لا تتوقف عند حدود الخطأ المهني، بل تمتد إلى التأثير على طبيعة العلاقات بين الدول. فالعلاقات بين موريتانيا ومالي، رغم ما يعتريها من تعقيدات ظرفية، تظل قائمة على أسس من التعاون الأمني والتنسيق الإقليمي، خاصة في ظل التحديات المشتركة في منطقة الساحل. ومن شأن مثل هذه الأخبار غير الدقيقة أن تُربك هذا التوازن، وتخلق توترًا غير مبرر، وتفتح الباب أمام تأويلات قد لا تخدم استقرار المنطقة.

كما أن موريتانيا، التي اختارت خلال السنوات الماضية نهج الحكمة والحياد الإيجابي، سعت إلى تحصين حدودها وتعزيز استقرارها الداخلي، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطها، بما في ذلك مالي. وهذا النهج يتطلب إعلامًا وطنيًا مسؤولًا يواكب هذه الرؤية، لا أن ينخرط في تضخيم روايات غير موثوقة أو تمريرها دون تمحيص.

إن ما حدث لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، بل يستوجب وقفة نقدية صريحة تعيد الاعتبار لمفهوم الإعلام المسؤول، الذي يوازن بين حرية النشر وواجب التحري. فالمهنية ليست خيارًا، بل التزام، خاصة في سياقات حساسة تتداخل فيها السياسة بالأمن بالإعلام.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام إعلام ينقل الواقع كما هو، أم إعلام يصنع واقعًا موازياً؟ بين سباق العناوين وضريبة المصداقية، يبقى الرهان الحقيقي على صحافة تحترم عقل المواطن، وتحمي استقرار الأوطان، بدل أن تكون أداة في تضليلها.


الكاتب الإعلامي: سيد أحمد سيدى الكرومى

0 Comments:

Untitled-1
20250514-125404
Ads-Nemine