العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو
العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام،ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك:
المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتهالا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله.
ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصةصيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لابد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه.
فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص.
ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه.
ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين.
وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات:
الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم.
ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله.
فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها.
إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء.
فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.



0 Comments: