حِين يُحاكم الضحايَا / عبيد إميجن
فـي الوقت الذي ينشغلُ فيه كثيـرون بالدفاع المستميت عن نقاء سيـرة رجلٍ غادر الدنيا منذ عقود، تُرمى بكل بساطـة امرأةٌ مسنّةٌ من لحراطين بأفظـع التهم وتسلَّط عليها أصابع الإدانة والتأثيم ويلصقُ بها وحدها العار، وأي عارٍ تقدر على ارتكابه فتاةٌ بلا إرادة ولا تملك نفسها؟
وأما الواقعُ، فيكشفُ بأن المجتمع لا يزال يُصــر علـى أن "الحيَّ أقلُّ حرمةً من الميت"، رغم أن التُراث الإســلامـي يؤكد على أن: " الحيَّ أولى بالجديدِ من الميت" وبعبارة لاحقـة " الحيّ أولى من الميتْ" الذي أفضى حتما إلى ما قدم، غير أن الامتيازات الاجتماعية الموروثـة، فـي مجتمع كمجتمعنا لم تُخلــق يوماً لحماية الأحياء من ضحايا الاسترقاق، بل تكمن وظيفتها في حماية ذاكرة الأسياد القدامى ولو على حساب الضحايا، اناثا وذكورا.
لا أعرف بالتحديد من هـو صاحب المقولة المتداولة والتي مفادها أن "الفضيلة لا تُقاس بما نقوله، بل بما نفعله"، غير أن ما نسمعه في مُحيطنا الأهلي من خطاب أخلاقـي وما يرثه الناس من سرديات قيمية موروثـة، ليظل يُدار كقوانين مقدسـة، ندرك أن لا شيء منه يُجري تجسيده على ارض الواقع، بل ان السؤال وارد، وهـو كيف يجري تطبيقه داخل بيئة تفتقر الى سلطة رادعة؟
ان المجتمع الذي ينتج مثل هذه المظالم، جيلًا بعد جيل هو نفسه الذي يظل يُكرر في المجالس نص الحديث القدسي الوارد عن النبـي ﷺ "يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا"، بينما تُنتهك في الواقع أجساد المستضعفات وكرامتهن ثم يُطلب منهنُ الصمت باسم العرف الاجتماعـي أو الطاعة وحماية “سمعة” السادة!، وكــأن النصوص الاسلامية خُلقت للتلاوة لا للتطبيق، وللحفظ لا لإقامة العدل بين أفراد المجتمع المسلم، والذي يستحيل أن تكون الشريعـة الإسلاميـة قد هيأته ليحفظ امتيازات طبقية أو عرقية على حساب كرامة الأفراد : و(لقــد كرمـنا بنـي آدم..)
هذا النص ليس خوضًا في تفاصيل القضية المثارة حاليا فـي بوتلميت ولا هـو تدخل فـي أطــوارها الأهليـة والقانونيــة والتي تبقـى ساحات المحاكم مكانًا أليق بها، بـل هو دفاع عن أي امرأة مسحوقة كحالة تلك الكهلة المنكسرة، و تبيان لحق النساء المُستعبدات وفـي أن يُنظر إليهن كضحايا لا كمتهمات.
عبر قرون، ســاهمت بعض البنى الاجتماعية التقليديـة المغلقة، في إنتاج علاقات هيمنة معقدة تتسم بالتواطُــؤ مع القهر، والمقدرة الفائقـة علـى المُنـــاورة، لذا فمن الصعب على أي أحد يملك عقلًا واعيًا أو راجحاً أن يتوقع حدوث مفاجـأة في هذا الصدد حين تتحول الأعراف لتصبح مرجعية للعدل أو الإنصاف، وكيف لبيئة قاحلة اعتادتْ تبــرير التمييز أن تنصف من وُلدوا داخل العبودية؟
وسط هذه البيئة ومع مرور الزمن، يُعاد تشكيل الوعي الديني داخل حدود ثقافةٍ صاغها الرُّحّل لأنفسهم، لا من داخل مقاصد الإسلام الحقيقية؛ وهكذا تأسس بين الناس فهمٌ مشوَّه للدين، ثم تحوّل معه العرف إلى أداة لحماية موازين القوة، حتى غدى الظلم جزءًا من "النظام الطبيعي" المفروض على الفئات المستضعفة والمكوّنات الهشّة داخل المجتمع. وعلى هذا النحــو، تلتـزم المجموعات القبلية بهذا النظام بوصفه حقائق نهائية غير قابلة للنقاش، و(الناس على دين عوائدهم) على حد تعبير ابن خلدون.
لكن رسالة النبي محمد ﷺ لم تأتِ لتكريس أعراف الهيمنة، وإنما جاءت رحمة للعالمين. ولذلك فإن كــل تأويــل دينـي يُبــرر إذلال أو استباحــة المرأة ليس سوى انحراف عن جوهر الإســـلام لا امتداداً له.
ثم أن المسافة بين مقاصد الدين والممارسة الاجتماعية ظلت واسعة في بعضِ البيئات المعزولة، حتى ترسخ تدريجيا نوع من التسليم بالتعايش مع ظاهرة العبودية، قبل ان تتبلور فـي العقود الأخيـرة قناعة متزايدة بأنها ممارسة تفتقر الى الجذور الشرعية والإسلاميـة.
ولعل هذا التحول الم يكن نتيجـة مباشرة لتجريم العبوديـة أو تقييدها قانونيا بقدر ما كان ثمرةً لعودة رجال الدين الموريتانيين إلى الاحتكاك بالمدارس والمراكز الإسلامية في المشرق والانفتاح على التفسيرات الفقهية الأعمق معرفيا وشرعيا في العالم الإسلامي.
في خضم هذه البنية الاجتماعية المعقدة، تُركت فتاةٌ حرطانية قاصر وحيدة أمام سلطة السيد المطلقة؛ بلا حماية، ولا سند، ولا حتى لغة تعبّر بها عن رفضها. وكان كل من حولها إما مستعبَدًا مثلها، أو صامتًا أعياه الخوف وفقد القدرة على المبادرة أو التغيير، كما هـو حال المجتمع في القرن العشرين.
ويمكن فهم هذه الحالة، بتعبير فرانتز فانون، بوصفها شكلا من اشكال "العنف الداخلي" الذي حول هذه المرأة من إنسان كرّمه الله إلى كائن فاقد للأمل، أقنع نفسه بأن مسترقَّه ليـس سوى سيد "مُحسن" لأنه أبقاه حيا داخل (حوشه) الأثيـر. مع الزمن، ترسّـــخ فـي وعيها أن الخضوع واجبٌ أخلاقي، وأن جسدها لا يخصها أصلًا، بعدما أورثتها التربية التي نشأت فيها التبعية الكاملة والعجز عن الرفض، في ظل هذا كله، يصبح من العبث الاعتراض مهما كانت فداحة الأثر والنتائج العلاقة القائمة.
لكن مثل هؤلاء الكهلات، حيّات كن أو ميتات، لا يمكن أن يُنظَر إليهن بوصفهن زانياتٍ بحال من الأحوال.
لأن الزنا في جوهره فعل يقوم على الاختيار والإرادة، أما المستعبَدة فلا تملك لا الإرادة ولا حق الرفض، كما لم تكن تبيــع جسدها، ولم تكن تملك حتى حق التصرف فيه؛ بل كانت تُعطى، وتُوهَب وتُستغل كما تستغل الأشياء.
فأي ظلم أخلاقـي يجعل امرأة فاقدة الإرادة تتهمُ بما فُرض عليها قسرا لا اختيارا؟
ان من يفترض فيه معرفة الحكم الشرعــي، ثم يُساير العرف الاجتماعي ليفرض نفسه على امرأة فاقــدة للحماية والإرادة فهو مسؤول أخلاقيا وشرعيا وإنسانيا عن الجريمة، حتى وان اختبأ خلف الرمزيــة الاجتماعية التي لن تنفعه يوم يُحشر بجانب الضحية أمام العادل الرحيم.
ومن المؤلــم أن يعكس ذلك المثل الشعبي البائـس: "لا يُفضَح سيّدٌ في مجتمعٍ يعجّ بالعبيد".
ختاماً، إن الحلول بسيطةٌ فـي ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها؛ ويجب أن تبدأ أولًا بكسر الصمت، ثم بالاعتـراف التاريخي بالمظلومية بدل دفنها تحت الخوف أو العصبية، وبإعادة الاعتبار للضحايا لا محاكمتهم أخلاقيًا، وبفصل الدين عن الأعراف التي علقت به ظلمًا، حتى يعود الإسلام — كما أراده الله — رحمةً وعدلًا وكرامةً للناس جميعًا، لا غطاءً اجتماعيًا لإدامة القهر.
وكما يقول علي عزت بيغوفيتش رحمه الله فــ"«كل نظام لا يقوم على الأخــلاق، يحمل بذور انهيـاره في داخله»، لذلك، فإن تحصين المجتمع أخلاقيًا يجب أن يسبق أي حديث عن حماية تجانسه الثقافي أو الاجتماعي.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَـى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في إشارة واضحة الى ان اصلاح المجتمع وإعادة بنائه على أسس سليمة، تبدأ بمداواة جراحه الغائرة، على حقيقتها، ومهما كانت آلامها.
كتبه في بانجول (غامبيا)
عبيد إميجن 17/06/2026



0 Comments: