حين كانت الدراما تصنع الوعي… وحين صار الجدل بديلاً عن القيم
في زمنٍ ليس ببعيد، كانت فترات المد القومي — رغم ما كان يُقال عنها — تقدّم في رمضان أعمالًا تركت بصمات عميقة في الوعي الإسلامي والتاريخي.
تعرّفنا من خلال مسلسل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحداث البعثة الشريفة، واستعدنا صفحات مشرقة من تاريخ الفقه في عصور الأئمة، وتعلمنا من سيرة عمر بن عبد العزيز معنى العدل والزهد في الحكم، وتأملنا عظمة هارون الرشيد وتعقيدات دولته، وقرأنا نكبة البرامكة كدرسٍ في السياسة وتقلباتها.
وتذوقنا من شعر أبي فراس الحمداني معاني الصبر والكبرياء، وعشنا تحولات الدولتين الدولة الأموية و**الدولة الفاطمية**، لا بوصفها أحداثًا جامدة، بل كقصصٍ حية تُلهم وتُربّي وتُوقظ الأسئلة الكبرى في النفوس.
حتى البرامج الحوارية كانت — في كثيرٍ من الأحيان — تناقش قضايا تمسّ حاضر الناس ومستقبلهم، وتستضيف شخصيات مؤثرة بالفعل في صناعة الوعي العام.
ثم تغيّر المشهد.
تحوّلت بعض المنصات الرمضانية إلى ساحات جدلٍ مفتوح، تُناقش أدق تفاصيل الحياة الخاصة بلا سقفٍ من حياء، ولا مراعاةٍ لحرمة الشهر.
صار الحديث عن التربية والأسرة يُطرح أحيانًا بصيغةٍ صادمة، لا إصلاح فيها بقدر ما فيها من إثارةٍ وجذبٍ للمتابعين.
وبعد ما سُمّي بثورات الربيع-ان شاء الله- بدا كأن الإنتاج التاريخي تراجع لسنوات، ولم يبرز من الأعمال الكبرى سوى ما تناول الفتن أو الصراعات، مثل مسلسلات و قصص و قصاصات ، بينما غابت — إلا قليلًا — السير الجامعة والملاحم المضيئة.
الفن مرآة عصره، نعم… لكنه أيضًا صانعٌ لوعيه.
أما عندنا في موريتانيا، فقد أصبح تسليط الضوء على الظواهر السلبية — الدخيلة على المجتمع — مادةً متكررة في بعض الإنتاجات.
والمفارقة أن التناول الإعلامي، حتى لو كان بنية التحذير، قد يتحول إلى تعريفٍ وترويجٍ غير مباشر، فيسرّع انتشار ما أراد الحدّ منه. ولنا في تجربة “أمّ السينما العربية” القاهرة مثالٌ يثير التأمل.
في زمنٍ تتسارع فيه الوسائط الإعلامية كالصاروخ، وتصل إلى أيدي الأطفال قبل أيادي الكبار، تتضاعف المسؤولية.
لم يعد الأمر شأن مؤسساتٍ فقط، بل مسؤولية أسرٍ وأفراد، كلٌّ في نطاقه الضيق والواسع، لحماية ما تبقّى من القيم، وترسيخ ما يمكن ترسيخه من وعيٍ ورشد.
لعلّ السؤال الأهم ليس: ماذا يُنتَج؟
بل: ماذا نُريد أن نرى في بيوتنا و شاشاتنا … وفي نفوس أبنائنا ؟
لنا الله … ثم لنا وعينا واختيارنا



0 Comments: