الإنصاف أمام اختبار ما بعد الرئيس: ترتيب للخلافة السياسية أم رسائل تتجاوز الدستور؟..
الإنصاف أمام اختبار ما بعد الرئيس: ترتيب للخلافة السياسية أم رسائل تتجاوز الدستور؟..
يشهد حزب الإنصاف الحاكم خلال هذه الأيام حراكًا سياسيًا وتنظيميًا لافتًا، تجسد في تكثيف اللقاءات الحزبية والبعثات الداخلية التي تجوب ربوع البلاد، وتفعيل الهياكل التنظيمية، وحضور قياداته في المشهد العام بصورة أكثر انتظامًا. وقد أثار هذا النشاط تساؤلات متعددة حول طبيعته وأهدافه الحقيقية: هل يمثل محاولة مبكرة للالتفاف على مقتضيات الدستور المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، أم أنه يدخل في إطار التحضير الطبيعي لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي والبحث عن شخصية قادرة على ضمان استمرارية المشروع السياسي القائم
فمن الناحية الدستورية، تبدو النصوص المنظمة للمأموريات الرئاسية واضحة ولا تحتمل الكثير من التأويل، الأمر الذي يجعل الحديث عن تعديلها أو تجاوزها بحاجة إلى مؤشرات سياسية قوية لم تظهر حتى الآن بشكل رسمي. كما أن الخطاب الصادر عن مؤسسات الدولة والدوائر القيادية للحزب لم يتضمن إشارات مباشرة إلى مراجعة هذه المقتضيات أو الدفع نحو تمديد بقاء الرئيس في السلطة.
في المقابل، فإن طبيعة الأنظمة السياسية الحديثة تفرض على الأحزاب الحاكمة التفكير مبكرًا في مرحلة انتقال القيادة، خاصة عندما تكون مرتبطة بشخصية سياسية تحظى بحضور قوي داخل الدولة والحزب معًا. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جزء معتبر من الحراك الحالي باعتباره محاولة لترتيب البيت الداخلي واستكشاف الخيارات المتاحة لما بعد انتهاء المأمورية الدستورية للرئيس
تاريخيًا، تواجه الأحزاب الحاكمة معضلة الانتقال من زعامة قائمة إلى قيادة جديدة دون خسارة التماسك الداخلي أو النفوذ السياسي. ولذلك تسعى عادة إلى اختبار الشخصيات الصاعدة، وقياس مدى قبولها داخل القواعد الحزبية وفي الأوساط الشعبية، إضافة إلى بناء توافقات مبكرة تمنع ظهور صراعات داخلية قد تضعف الحزب عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا الإطار، يمكن تفسير كثرة التحركات السياسية واللقاءات التنظيمية لحزب الإنصاف باعتبارها جزءًا من عملية فرز غير معلنة للنخب السياسية والإدارية القادرة على لعب أدوار أكبر خلال السنوات المقبلة، أكثر من كونها حملة تستهدف تغيير قواعد اللعبة الدستورية .
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل وجود تيار من المراقبين يرى أن بعض مظاهر الحراك قد تُفهم بوصفها محاولة لقياس ردود الفعل الشعبية والسياسية تجاه سيناريوهات مختلفة، بما فيها احتمال الدفع نحو استمرار الرئيس الحالي بصورة أو بأخرى. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب عرفتها دول إفريقية عديدة شهدت تعديلات دستورية أو ترتيبات سياسية سمحت بتمديد بقاء رؤساء في السلطة.
غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن مثل هذه المسارات عادة ما تسبقها رسائل سياسية واضحة أو حملات تعبئة منظمة، وهو ما لا يبدو حاضرًا بالدرجة الكافية في الحالة الموريتانية حتى الآن.
استنادًا إلى المعطيات المتاحة، يبدو أن فرضية البحث عن خليفة للرئيس الحالي أكثر انسجامًا مع الواقع السياسي الراهن من فرضية الالتفاف على الدستور. فحزب الإنصاف الحاكم يدرك أن الحفاظ على تماسكه واستمرارية نفوذه يتطلب إعداد قيادة جديدة قادرة على حمل المشروع السياسي إلى المرحلة المقبلة، كما أن احترام المسار الدستوري يمثل عاملًا مهمًا في تعزيز الاستقرار السياسي وصورة البلاد الديمقراطية.
ومع ذلك، تبقى السياسة مجالًا مفتوحًا على الاحتمالات، وتظل التطورات القادمة وحدها كفيلة بحسم الجدل بين من يرون في الحراك الحالي تحضيرًا لمرحلة انتقالية طبيعية، ومن يعتقدون أنه قد يخفي رهانات أخرى لم تتكشف بعد.
إن هذا الحراك الذي يقوده حزب الإنصاف اليوم يعكس حيوية سياسية لا يمكن فصلها عن الاستحقاقات المستقبلية وتحديات انتقال القيادة داخل الحزب الحاكم. وبين فرضية الالتفاف على الدستور وفرضية البحث عن خليفة للرئيس، تبقى المؤشرات المتاحة أقرب إلى الخيار الثاني، مع ضرورة متابعة المشهد السياسي بحذر وموضوعية بعيدًا عن الأحكام المسبقة، انتظارًا لما ستفرزه المرحلة المقبلة من مواقف وقرارات أكثر وضوحًا..
انتاجو البمباري امبيريك



0 Comments: