دبلوماسية الغزواني الهادئة.. نفوذ يتعاظم في زمن الأزمات
في لحظة إقليمية بالغة الدقة، تتشابك فيها التحديات الأمنية مع التحولات السياسية المتسارعة، لا تبدو الرسائل التي تحملها نواكشوط إلى عواصم دول الساحل مجرد تحركات دبلوماسية تقليدية أو اتصالات بروتوكولية عابرة، بل تعكس رؤية استراتيجية عميقة تؤكد حضور موريتانيا كلاعب إقليمي وازن يدرك حجم المخاطر المحدقة بالمنطقة، ويسعى إلى تطويقها قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.
لقد رسّخ فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني خلال السنوات الأخيرة نهجاً سياسياً قائماً على الحكمة والتوازن والحوار، وهو نهج أثبت نجاعته في بيئة إقليمية تتسم بالتقلبات والتوترات المتصاعدة.
فالقيادة ليست مجرد إدارة للحاضر، بل قدرة على استشراف المستقبل واحتواء الأزمات قبل انفجارها، وهو ما تجسده التحركات الموريتانية الحالية تجاه دول الساحل.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه المنطقة احتقاناً سياسياً وأمنياً غير مسبوق، ما يمنح المبادرات الموريتانية أهمية خاصة تتجاوز الإطار الثنائي للعلاقات بين الدول، لتلامس جوهر الأمن والاستقرار الإقليميين.
فموريتانيا تدرك أن أمن الساحل كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اضطراب في إحدى دوله ستكون له انعكاسات مباشرة على بقية دول المنطقة.
وما يمنح نواكشوط قدرة أكبر على أداء هذا الدور هو ما تتمتع به من رصيد معتبر من المصداقية والاعتدال، وعلاقات متوازنة مع مختلف الشركاء والأطراف الإقليمية، الأمر الذي جعلها تحظى باحترام الجميع وتُنظر إليها باعتبارها صوتاً للعقل والحكمة في منطقة تعصف بها الأزمات.
إن نجاح هذه المساعي في تقريب وجهات النظر وتعزيز مناخ الحوار سيكون له ما بعده، ليس فقط على مستوى التهدئة الظرفية، بل على مستوى إعادة بناء الثقة بين دول المنطقة وفتح آفاق جديدة للتعاون والتكامل.
كما سيعزز من مكانة موريتانيا كقوة دبلوماسية صاعدة، قادرة على لعب أدوار مؤثرة في محيطها الإقليمي.
وفي عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، تبقى الدول التي تستثمر في الحوار وتنتصر للحكمة هي الأكثر قدرة على صناعة الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، تبدو نواكشوط اليوم وهي تمد جسور التواصل نحو عواصم الساحل وكأنها تؤدي دوراً يتجاوز حدودها الجغرافية، دور الدولة التي اختارت أن تكون جزءاً من الحل، وأن تجعل من الدبلوماسية الهادئة أداة لحماية المنطقة وصون مستقبل شعوبها.
فالتاريخ لا يخلّد فقط صانعي الانتصارات، بل يخلّد أيضاً صانعي السلام، وأولئك الذين نجحوا في إخماد الحرائق قبل اشتعالها.
الإعلامي: سيد أحمد سيدى الكرومى



0 Comments: