حول السجال الذي دار تحت قبة البرلمان بين وزير الداخلية ومُسائِليه من النواب/ عثمان جدو
حول السجال الذي دار تحت قبة البرلمان بين وزير الداخلية ومُسائِليه من النواب/ عثمان جدو
تميزت جلسة مساءلة وزير الداخلية بحضور برلماني كبير،يعكس أهمية اللحظة ومحورية الحديث، وهو مشهد عَكْسَحالِ كثير من الجلسات التي تفتقد إلى النصاب المعطل او المسهل للتمرير أو التشريع، ولقد تميزت هذه الجلسة بقوة السجال بين النواب ووزير الداخلية حول آلية تقييد المواطنين عموما وفي منطقة الضفة خصوصا باعتبار التقييد نموذجًا للتحديات التي تواجهها الدولة عند التوفيق بين متطلبات تأمين السجل المدني وضرورة تسهيل حصول المواطنين على الوثائق الأساسية.
إن من الملاحظ تركيز عدد من النواب على شكاوى بعض السكان من صعوبة استكمال إجراءات التقييد، وإظهار معاناتهم في القرى والمناطق النائية مع الوثائق الثبوتيةالمطلوبة.
ولقد أبدى هؤلاء النواب تخوفهم من حرمان بعض المواطنين من حقوقهم المدنية بسبب التعقيدات الإدارية أو نقص بعض الوثائق، وطالبوا بمزيد من المرونة في التعامل مع الحالات الخاصة والقديمة التي يفرضها الأمر الواقع.
ومن جهته، أكد معالي وزير الداخلية أن التقييد المدني يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة تحفظ مصداقية السجل الوطني، وبين أن التساهل غير المنضبط مع عملية تقيد المواطنين قد يفتح الباب واسعا أمام التزوير أو الازدواجية في الهويات بعيدا عن الأطر القانونية المشروعة.
ولقد أكد معاليه على أن الدولة تعمل على تقريب خدمات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة من المواطنين، وأن اللجان الفنية والإدارية تدرس الملفات وفق القوانين المعمول بها مع مراعاة الحالات الإنسانية والاجتماعية.
بعد هذا النقاش المستفيض تحت قبة البرلمان اتضحت جملة من الدلالات السياسية والإدارية
حيث كشف هذا النقاش الهام جدا عن ثلاثة أبعاد مهمةتجلت في:
البعد الحقوقي: ويتجلى في ضمان حق كل مواطن في الحصول على أوراقه الثبوتية شريطة الاستظهار بكل ما يلزم من الناحية القانونية والإجرائية والتنظيمية.
البعد الأمني: ويظهر من خلال حماية السجل السكاني من الأخطاء والتلاعب، فلقد كان في سالف الزمن بعض الأجانب يسخرون من الوثائق الوطنية؛ ويرددون بأن الحصول عليها أسهل بكثير من الحصول على الغذاء والماء والدواء، أما اليوم فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مستوى الأمان الذي وصلت إليه الوثائق الوطنية من أهم المكاسب السيادية منذ نشأة الدولة المدنية بصبغتها الوطنية، ومعروف أن كل البرامج الحكومية التنموية أصبحت تعتمد في تنفيذها على برنامج السجل الاجتماعي الذي يعد ركيزة أساسية لدى مندوبية تآزر في تطبيق برامجها الاجتماعية، ولولا ضبط الوثائق وتأمينها أصلا من خلال الجاهزية العالية التي أصبحت تتمتع بها الوكالة الوطنية لسجل السكان لما كان لهذه البرامج التي أصبحت محل إشادة يتفق عليها الجميع ذكر ولا حس ولا خبر.
البعد التنموي: لا خلاف في أهمية التقييد المحكم والمنظم والمحمي من التلاعب والفوضى في التنمية المستدامة؛ فالتقييد المدني السليم شرط أساسي للاستفادة من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وبرامج الدعم الحكومية.
إن المقاربة الأمنية التي انتهجها الدولة وباشر تنفيذها بكل اقتدار معالي وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين خلال السنوات الأخيرة، قامت على عدة محاور رئيسية:
حيث اعتمدت بكل وضوح على تعزيز الأمن الوقائي والاستباقي من خلال رفع جاهزية الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات قبل وقوعها، خاصة في ظل محيط إقليمي مضطرب وتحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة، وعُمل على عصرنة المنظومة الأمنية عبر تحديث التجهيزات والوسائل الفنية واللوجستية، وتوسيع التغطية الأمنية وإنشاء مراكز جديدة، وتأهيل الموارد البشرية باكتتاب دفعات جديدة من الشرطة والأجهزة التابعة للقطاع، وتحسين التكوين والقدرات المهنية والعملياتية للعناصر الأمنية، وكذا تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية وتبادل المعلومات والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحوادث الأمنية المختلفة لسد الثغرات المحتملة، وضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية باعتبارها من أبرز التحديات الأمنية المطروحة على البلاد، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود وتعزيز حضور الدولة في مختلف المناطق لحماية المواطنين وممتلكاتهم.
أشفع ذلك كله بتقريب الإدارة من المواطن، وترسيخ دولة القانون باعتبار الأمن مرتبطًا بفعالية الإدارة المحلية وحضور الدولة في جميع أنحاء البلاد، وربط الأمن بالتنمية والاستقرار الاجتماعي، حيث يتأكد باستمرار أن الأمن شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجذب الاستثمار.
لا يمكن أن نقلب صفحة الحديث عما دار تحت قبة البرلمان بين معالي وزير الداخلية الذي يُعد العمود الفقري للنظام القائم وبعض النواب المشاكسين حول الهوية الوطنية دون ذكر القيمة السيادية، المضافة، العالية جدا للوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة؛ والتي أزيل عنها كل ستار خدَّاع أو لبس متعمد، ففي عهد وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين انكشفت كل مفاتيح الأهمية في جوانبهاالاستراتيجية والإدارية والأمنية ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
1. تعزيز أمن الهوية الوطنية: حيث أتاحت الوكالة بناء سجل بيومتري متكامل يعتمد على البيانات الشخصية والبصمات والخصائص البيومترية، مما يحد من التزوير وانتحال الهوية ويعزز موثوقية الوثائق الرسمية.
2. تطوير الخدمات الرقمية: إذ شهدت الوكالة توسعًا في استخدام الأنظمة الرقمية وتطبيق *هويتي* المميز جدا، مما سهل على المواطنين تقديم الطلبات ومتابعتها وتقليل الوقت والجهد وتكاليف التنقل.
3. تقريب الإدارة من المواطنين: فقد تم توسيع شبكة مراكز الاستقبال وإصدار الوثائق في مختلف الولايات والمقاطعات، بما يساهم في تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وتقليص المركزية.
4. دعم المقاربة الأمنية للدولة: حيث أصبحت قاعدة البيانات الوطنية أداة أساسية لضبط الحدود، ومراقبة تدفقات الهجرة، والتعرف على الهويات، ومكافحة الجريمة المنظمة والتزوير. وقد اعتبرت السلطات أن السجل الوطني للوثائق المؤمنة يمثل ركيزة محورية في المنظومة الأمنية الحديثة.
5. تنظيم وضعية الأجانب والمقيمين: من المعروف والمؤكد أن هذه الوكالة ساهمت بفعالية في إنشاء آليات لتسجيل الأجانب وإصدار وثائق الإقامة والتأشيرات البيومترية، بما يعزز ضبط حركة الأشخاص واحترام الأطر القانونية للإقامة.
6. تحسين جودة الوثائق الرسمية: إذ أتاح النظام المندمج الجديد إنتاج وثائق مؤمنة عالية الجودة تشمل بطاقات التعريف وجوازات السفر ووثائق الحالة المدنية ورخص السياقة وغيرها، وفق معايير تقنية أكثر تطورًا.
7. تعزيز صورة موريتانيا إقليميًا: ذلك أن تجربة موريتانيا في مجال السجل السكاني والوثائق المؤمنة أصبحت محل اهتمام دول مجاورة، وهو ما تجسد في زيارات رسمية للاطلاع على التجربة الموريتانية والاستفادة منها.
وخلاصة القول أن الخلاف الذي دار بين النواب والوزير في هذه الجلسة البرلمانية الاستثنائية لا يتمحورفي جوهره على أهمية التقييد المدني، فالجميع يتفق على ضرورته، وإنما يدور حول كيفية تحقيق التوازن بين الصرامة القانونية المطلوبة لحماية الهوية الوطنية وبين المرونة الإدارية اللازمة لضمان عدم إقصاء المواطنين، خصوصًا في مناطق الضفة التي تمتلك خصوصيات تاريخية واجتماعية تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة.
وتبقى هناك ملاحظة واردة مفادها أن الانتماء للدولة محدد باشتراطات قانونية ولا يعني ابدا ان الانتماء الأسري كفيل بالتطابق الهوياتي؛ فمثلا يمكن لأبناء العمومة الذين يوحدهم الاسم العائلي أن تفرقهم الحدود، وهذا حاصل في البلاد جنوبا سواء على مستوى الضفة أو باقي الحدود مع مجمل دول الجوار بما في ذلك محور الشمال.



0 Comments: