نواذيبو.. حين يصبح «الأصلي والوافد» سؤالًا أكبر من المدينة
نواذيبو.. حين يصبح «الأصلي والوافد» سؤالًا أكبر من المدينة
منذ فترة، يتكرر الحديث في نواذيبو عن «السكان الأصليين» و«الوافدين»، وتتسع دائرة النقاش حول من يحق له أن يمثل المدينة، ومن له الأولوية في مواقع المسؤولية والقرار، وكأن الانتماء إلى المدينة يمكن اختزاله في تاريخ الوصول إليها.
قد يكون من الطبيعي أن يشعر أبناء أي مدينة بخصوصية علاقتهم بمكان نشأت فيه أجيالهم، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الخصوصية إلى معيار للإقصاء، أو عندما يصبح وصف «الوافد» تهمة تُسحب معها صفة الانتماء.
فالمدن ليست بوادي، ولا يمكن التعامل معها بمنطق القبيلة أو القرية أو الحاضرة المغلقة. المدينة بطبيعتها فضاء مفتوح؛ تستقبل الناس، وتجمعهم، وتمنحهم فرصًا مختلفة، ثم تعيد تشكيلهم في مجتمع جديد تتداخل فيه الأصول والمناطق واللهجات والعادات.
وهذا ينطبق بصورة واضحة على نواذيبو.
هذه المدينة لم تكن يومًا مكانًا مغلقًا على سكان محددين. لقد كانت، ولا تزال، مدينة عمل وإنتاج، استقطبت أبناء مختلف مناطق موريتانيا. جاء إليها الناس بحثًا عن الرزق، والتحقوا بمؤسساتها ومصانعها وموانئها وأسواقها، وبنوا بيوتهم، وأنشأوا أسرًا، وربطوا مستقبلهم بمستقبل المدينة.
وبمرور الزمن، لم يعد السؤال: من أين جاء هذا الشخص؟
بل أصبح السؤال: ماذا قدم لهذه المدينة؟
فمن الصعب اليوم رسم خط واضح بين «الأصلي» و«الوافد». هناك من ولد في نواذيبو لأبوين قدما إليها قبل عقود، وهناك من ولد خارجها وعاش فيها معظم حياته، وهناك من جاء إليها شابًا وأمضى فيها عمره، وهناك من غادرها بعد سنوات لكنه ترك فيها أبناء وذكريات وعلاقات.
كل هؤلاء، بدرجات مختلفة، أصبحوا جزءًا من قصة نواذيبو.
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال إنكار خصوصية السكان الأوائل أو التقليل من دورهم التاريخي في نشأة المدينة وتطورها. الاعتراف بهذا الدور حق مشروع، لكن تحويله إلى وسيلة لاحتكار المدينة أو تقسيم سكانها إلى درجات، هو ما ينبغي التوقف عنده.
فالتمثيل السياسي أو الإداري أو الاجتماعي لا ينبغي أن يقوم على سؤال: «من كان هنا أولًا؟»، وإنما على الكفاءة والاستحقاق والقدرة على خدمة الناس، في إطار القانون والمواطنة المتساوية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمدينة بحجم نواذيبو هو أن يتحول تنوعها إلى مصدر صراع بدل أن يكون مصدر قوة.
فالمدينة التي جمعت الموريتانيين من مختلف الجهات، واحتضنت الأجانب والمهاجرين، واستقبلت الباحثين عن العمل، قادرة على أن تقدم نموذجًا مختلفًا للتعايش والانتماء؛ نموذجًا لا يلغي خصوصية أحد ولا يمنح أحدًا حق إلغاء الآخر.
وفي النهاية، ليست المشكلة في وجود «أصلي» و«وافد»، وإنما في أن يتحول هذا التصنيف إلى حاجز نفسي واجتماعي بين أبناء المدينة.
نواذيبو بحاجة اليوم إلى أسئلة أكبر من سؤال: من الأحق بالمدينة؟
تحتاج إلى أن نسأل: كيف نطورها؟ كيف نخلق فرص العمل؟ كيف نحسن الخدمات؟ كيف نحافظ على بيئتها؟ وكيف نضمن عدالة التمثيل وتكافؤ الفرص؟
أما الاستمرار في اجترار سؤال «الأصلي والوافد»، دون تقديم حلول حقيقية لمشاكل المدينة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإهدار الوقت.
فالمدن لا تكبر بعدد الذين يملكون حق الادعاء بأنها لهم، وإنما بعدد الذين يشعرون أنهم مسؤولون عنها.
ونواذيبو، قبل أن تكون مكانًا يسكنه أناس من أصول مختلفة، هي مدينة صنعتها مساهمات أجيال متعاقبة.
ولذلك، ربما آن الأوان لأن نتوقف عن السؤال: من ينتمي إلى نواذيبو؟
ونبدأ بالسؤال الأكثر أهمية:
ماذا سنفعل جميعًا من أجل نواذيبو؟
بقلم عمار دحمد


0 Comments: