كوكي… حين تتشابك الجغرافيا مع السيادة
ما لا يعلمه كثيرون أن منطقة كوكي تمثل نموذجًا معقدًا لتداخل الحدود بين بلدنا ومالي، حيث تختلط الجغرافيا بالواقع الإداري والأمني في مشهد يفرض كثيرًا من التساؤلات ويستدعي قدرًا أكبر من التعقل والحكمة.
في هذه المنطقة، تتواجد مظاهر إدارية متباينة؛ فهناك رئيس مركز إداري، قد يكون ذا طابع عسكري بحكم حساسية الموقع، إلى جانب عمدة بلدية منتخب، وفي المقابل تحضر السلطات العسكرية والأمنية المالية بشكل لافت. هذا التداخل لا يعكس فقط هشاشة الحدود، بل يكشف أيضًا عن واقع ميداني معقد تتداخل فيه السيادات وتتشابك فيه المصالح.
الأخطر من ذلك، أن دوريات الجيش المالي باتت تتحرك داخل قرى حدودية تتبع إداريًا لبلدية كوكي الزمال بمقاطعة كوبني، بحجة أنها تقع ضمن الحوزة الترابية لمالي. وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحدود وكأنها خطوط غير مرئية، يصعب تمييزها على الأرض، حيث القرى متداخلة والسكان مرتبطون جغرافيًا واجتماعيًا بشكل يجعل الفصل بينهم أمرًا بالغ التعقيد.
المفارقة اللافتة أن العديد من هذه القرى ترفع العلم الموريتاني، وتضم مدارس ومنشآت أنشأتها الدولة الموريتانية، كما يشارك سكانها في الاستحقاقات الانتخابية الوطنية، ومع ذلك يُثار الجدل حول موقعها الفعلي ضمن الخارطة السيادية، في ظل غياب ترسيم نهائي واضح للحدود.
إن هذا الواقع يفرض ضرورة ملحة للإسراع في ترسيم الحدود بشكل رسمي ونهائي، بما يضع حدًا لحالة الالتباس القائمة، ويجنب المنطقة أي توتر غير محسوب. فاستمرار الوضع على ما هو عليه قد يفتح الباب أمام احتكاكات ميدانية لا تخدم استقرار البلدين، ولا مصالح سكان المنطقة.
وفي هذا السياق، يصبح من المهم التحلي بالمسؤولية في تناول مثل هذه القضايا الحساسة، وتجنب الانجرار وراء الخطابات المتشنجة التي قد تؤجج الأوضاع. فالكلمة قد تكون شرارة، وأول النزاعات تبدأ غالبًا بتصريحات غير محسوبة.
إن الحكمة تقتضي تغليب منطق التهدئة، وترك المجال للجهات المختصة لمعالجة هذا الملف بما يضمن السيادة ويحفظ الأمن والاستقرار. فسلامة الأوطان لا تُبنى بالانفعال، بل بالرؤية المتبصرة، والتدبير الرشيد، والحوار المسؤول.
الكاتب الإعلامي: سيد أحمد سيدى الكرومى



0 Comments: